الباب الأول

سيرة الأنبا موسى الأسود

ثماني محطات ترسم رحلته من قطع الطريق في صحراء مصر، إلى قلاية منفردة في شيهيت، إلى إكليل الشهادة.

المحطة الأولى — نحو 330م

النشأة وحياة العنف

لا تُجمِع المصادر على موطنه بدقة، لكنها تتفق على أنه وُلد نحو سنة 330–340م، وأنه كان أسود البشرة، ضخم الجسم، شديد القوة، ينتمي على الأرجح إلى إحدى قبائل البربر أو النوبة. عمل عبدًا عند سيدٍ يعبد الشمس، ولمّا طرده سيده لشروره انضمّ إلى قُطّاع الطرق، ثم صار رئيسًا لعصابةٍ منهم، حتى ذاع صيته في تلك الأصقاع باسم "وحش الجبل" و"رعب المنطقة"، وقيل إن قوته الجسدية كانت من الضخامة بحيث عبر نهرًا يحمل خروفين سرقهما في مرة واحدة.

المحطة الثانية

صدى صادر من البرية

وسط تلك الحياة المضطربة، بلغت موسى أخبار رهبان برية شيهيت (وادي النطرون) وطهارة سيرتهم؛ فقد كان لصدى القداسة في تلك البرية أثرٌ يجذب حتى أعتى القلوب. يُروى أنه وقف يتأمل الشمس التي كان قومه يعبدونها وقال في نفسه: "أيتها الشمس، إن كنتِ أنتِ الإله فعرِّفيني، وإن كان لكِ إله فعرِّفيني إياه". هكذا بدأ في داخله بحثٌ صادق عن الإله الحقيقي، فاتّجه إلى الإسقيط حيث كان القس إيسيذورس.

المحطة الثالثة

التوبة والاعتراف

ركع موسى أمام القس إيسيذورس واعترف بصوت عالٍ وبانسحاق شديد بكل ما اقترفه من سرقة وقتل، ثم أخذه إلى الأنبا مقاريوس الكبير أب البرية، الذي علّمه ورفق به ومنحه سرّ المعمودية. تذكر السيرة أن الأنبا مقاريوس، أثناء اعتراف موسى المتكرر بخطاياه القديمة، كان يرى لوحًا مكتوبًا بالسواد، وكلما ذكر موسى خطيةً محاها ملاكٌ من اللوح، حتى وجده في نهاية الاعتراف أبيض كله؛ إشارة إلى غفران كامل غسل ماضيه المظلم.

المحطة الرابعة

الرهبنة وجهاد القلاية

لبس موسى ثوب الرهبنة وانفرد في قلاية بعيدة بمشورة معلمه، وواظب على الصوم الشديد والصلاة المتواصلة وإماتة الجسد، ولم يكن يتناول سوى القليل من الخبز مرة في اليوم. ولإخضاع قوته الجسدية الهائلة، اعتاد أن يطوف ليلًا بقلالي الشيوخ يملأ لهم الجرار ماءً من بئر بعيدة دون أن يعلم أحد. وفي إحدى الليالي اقتحم قلايته أربعة لصوص لا يعرفون ماضيه، فتغلّب عليهم بمفرده وربطهم وحملهم إلى الكنيسة، وحين عرفوا أنه موسى قائد اللصوص سابقًا، بُهتوا وتابوا وترهّبوا مثله.

المحطة الخامسة

حرب الأفكار وثبات الروح

لم يترك الشيطان موسى في سلام، بل أعاد إلى ذاكرته صور خطاياه القديمة ليُسقطه في اليأس، وأحيانًا كانت الحرب تشتدّ حتى يظن أنه على وشك السقوط، فيهرع إلى أب اعترافه إيسيذورس الذي كان يُعزّيه ويحثّه على الثبات في الصوم والسهر. يُروى أن الشيطان ضربه مرة عند البئر ضربًا مبرحًا تركه عاجزًا عن الحركة أيامًا، فلم يزده ذلك إلا تمسّكًا بجهاده الروحي.

المحطة السادسة

الرسامة كاهنًا

حين زار البابا ثيؤفيلس الإسكندري برية شيهيت، طلب الآباء أن يُرسم موسى قسًّا، فأراد البابا أن يمتحن اتضاعه أولًا، فأوصى الكهنة أن يطردوه من الهيكل عند دخوله، ففعلوا وهو صامت لا يعترض. ولمّا تمّت رسامته سُمع صوتٌ من فوق يقول ثلاثًا: "مستحقّ. مستحقّ. مستحقّ". وحين داعبه البابا قائلًا: "ها أنت قد صرت أبيض كلّك يا موسى"، أجابه في اتضاع: "أمن الخارج فقط يا أبي، أم من الداخل أيضًا؟".

المحطة السابعة

أبٌ لخمسمائة راهب

صار الأنبا موسى بعد ذلك أبًا روحيًا لجمعٍ كبير من الرهبان بلغ نحو خمسمائة، يرشدهم بوصايا موجزة عميقة عن الصوم والصلاة والتواضع وضبط اللسان. وحين أهانه بعض العامّة يومًا قائلين "لماذا يتردّد هذا الأسود بيننا؟"، لم ينبس بكلمة، وحين سُئل بعدها إن كان قد جزع أجاب: "ولو أني جزعت داخلي، فإني لم أتفوّه بكلمة". هكذا صارت قوته الجسدية القديمة قوةً في احتمال الإهانة والصمت من أجل المسيح.

المحطة الثامنة — 24 بؤونة، نحو 407م

الاستشهاد على يد البربر

عرف الأنبا موسى بالروح باقتراب غزوة للبربر على ديره، فأنذر إخوته وطلب منهم أن يهربوا، فسأله سبعة منهم: "وأنت يا أبانا، ألا تهرب؟" فأجاب: "منذ زمن طويل وأنا أنتظر هذا اليوم، ليتم قول السيد المسيح: من يأخذ بالسيف بالسيف يُؤخَذ". فقرروا البقاء معه، ولمّا دخل البربر استُشهد معهم جميعًا. وفي رواية السنكسار أن أحدهم، وكان قد اختبأ خوفًا، رأى سبعة أكاليل تنزل من السماء لتُتوَّج بها رؤوس إخوته، فخرج من مخبئه ونال الشهادة معهم.

تابع الرحلة

واصل القراءة